|
الاستخفاف بالمعارضين؟؟؟؟؟؟؟؟
الاستخفاف بالمعارضين
هل اصبحت «الحكمة» و«التبصر في العواقب» كلمات بغيضة في اوساط السياسة الخارجية المحافظة؟ ان المرء ليبدأ بالتساؤل، وهو يراقب الجدل الذي يجري في اطار اليمين، حول السياسات التي يتعين على الولايات المتحدة تبنيها تجاه العراق والمملكة العربية السعودية.
انني أشارك ادارة بوش التوجه لخلق مزيد من الديمقراطية في الشرق الأوسط، بما في ذلك تغيير النظام في العراق، واجراء اصلاحات سياسية في بلدان اخرى. ولكن هذه خيارات بالغة الخطورة بالنسبة للولايات المتحدة، ويمكن ان تؤدي الى فقدان آلاف الأرواح، والى آلام اقتصادية حادة. ولذلك فانها تستحق مناقشة اكثر دقة واتزاناً وعلى مستوى البلاد، وهو بالتحديد ما يبدو ان المحافظين عازمون على بذل كل طاقاتهم من اجل وضع حد له. وإلا كيف يمكن للمرء ان يفسر الأوامر والاملاءات الأخيرة التي اطلقتها افتتاحية «الوول ستريت جورنال»، وهي أداة اليمين في قمع حرية الفكر؟ ومن الواضح ان الصحيفة القلقة من ان يخفف تصاعد نقد الحزب الجمهوري لسياسة الادارة تجاه العراق من الحماس للحرب، نشرت افتتاحية هذا الاسبوع تستخف فيها بالمعارضين. فعضو مجلس النواب ديك أرمي رفض باعتباره مجرد «مؤيد لمذهب حرية الارادة»، والسناتور تشوك هاغل أدين كانتهازي يسعى الى «الظهور في العناوين الرئيسية السريعة»، ومستشار الأمن القومي السابق برنت سكوكروفت جرى تقريعه كـ«واقعي» شهير، ولكنه متثاقل «لا يلهم سجل فريق عمله الثقة».
ويبدو ان البعبع الخاص لليمين، في المرحلة الحالية، هو صحيفة «نيويورك تايمز»، ورئيس تحريرها الجديد، هاول رينيس. فقد اتهمت الـ«وول ستريت جورنال» «نيويورك تايمز» بشن حملة «منحازة» ضد حرب في العراق، عبر ابرازها القصص التي ترتاب بالحرب الوشيكة. وربما تعين إطراء رينيس على هذا الانطباع عن قوته، لكن النقد غريب. فصحيفة «نيويورك تايمز» تغطي بنشاط، موضوع ما اذا كان يتعين على اميركا ان تتوجه الى الحرب. فمنذ متى يعتبر هذا جريمة في جمهورية جيفرسون؟
ان الهوس الحالي بنزعة الصقور يذكرني بمزاج المحافظين بشأن قضايا السياسة الداخلية في أوج نشاط نيوت غينغريتش بعد انتصار الجمهوريين في انتخابات الكونغرس عام 1994.
فقد اعتنق غينغريتش فلسفة بذل كل الطاقات التي تعاملت مع المساومة والاعتدال بازدراء. وقد ابتهج المحافظون غير ان برنامجهم سرعان ما انهار، لأن تطرفه وتعصبه كانا غير متوافقين مع مزاج البلاد.
وهناك غرور مماثل في مناقشة اليمين للشرق الأوسط حاليا. وكانت تلك اللهجة تتخلل بالتأكيد، خلاصة قدمت الى مجلس السياسة الدفاعية من جانب لورينت مورافيتس من مؤسسة «راند». ووفقا لنسخة من هذه الخلاصة حصلت عليها مجلة «سليت» على الانترنت، اقترح مورافيتس تغيير النظام في المملكة العربية السعودية، وفي معظم دول العالم العربي في الواقع.
من المؤكد الآن، ان السعوديين بحاجة الى اجراء اصلاحات ـ من اجلهم اكثر مما من اجلنا. لكنهم لا يستحقون هذا النمط من الاهانات المتهورة في كلام مورافيتس.
وخشية ان يتصور السعوديون ان خلاصة وزارة الدفاع (البنتاغون) كانت مجرد هذيان شخص أحمق، فقد رفعت مؤخرا، دعوى قضائية نيابة عن عوائل ضحايا الحادي عشر من سبتمبر (ايلول) ضد ما يقرب من 100 من الشركات والأفراد السعوديين، تسعى الى الحصول على تعويضات عن اضرار تصل قيمتها الى تريليونات الدولارات. ولا عجب ان تشير تقارير الى ان مستثمرين سعوديين سحبوا اموالهم من الولايات المتحدة. انهم يخشون ان يكونوا الهدف المقبل بعد العراق.
ان مثالا أخيرا على هذا المزاج الجديد للنزعة القتالية الشاملة لكل الاتجاهات تجلى في النقد العنيف، الذي ذكرت تقارير انه سلم قبل اسبوع للمستشار الألماني غيرهارد شرويدر من جانب السفير الاميركي في برلين دانيل كوتس، لتجرؤ المستشار الالماني على انتقاد سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق باعتبارها «مغامرة». وابلغ مسؤول اميركي رفيع صحيفة «نيويورك تايمز» ان الرسالة الموجهة الى شرويدر اكدت ان واشنطن «غير مرتاحة من اتهامها بأنها لا تتشاور مع حلفائها»، أو ان بوش «تكساسي مستعد لاطلاق النار عند اقل استفزاز».
لنكن صريحين: فبذل كل الطاقات في الشرق الأوسط، اي السعي الى تغيير الأنظمة في العراق وايران ومصر وسورية والمملكة العربية السعودية، هو خيار مقامر. ان ذلك لا يعني انه خيار خاطئ ولكنه خيار محفوف بالمخاطر، ولذلك السبب فانه يستحق مناقشة دقيقة تماما. ان حقيقة ان اميركا تخوض «حربا ضد الارهاب» غير محددة بوضوح، لا تقلل من اهمية الحاجة الى مثل هذه المناقشة، انها تجعل منها ذات شأن الى حد بعيد.
ويجادل بعض النقاد بأن استراتيجية «حرب شاملة» كهذه تعرض الولايات المتحدة الى مخاطر اقتصادية وعسكرية كبيرة، بدون فوائد ومزايا واضحة، على الأقل بالنسبة لاسرائيل، حليفة اميركا، التي يمكن ان تكون الهدف الأول للانتقام. والحقيقة ان الأساس المنطقي الأكثر تماسكا لمثل هذه السياسة هو نسخة حديثة من مثالية ويلسون. إن تحرير الشرق الأوسط يمكن ان يوسع حدود الديمقراطية وحقوق الانسان، وان يكن بثمن باهظ بالنسبة لمصالحنا القومية كما هي محددة تقليديا.
وبالنسبة لي شخصيا فقد كنت على الدوام مؤمناً بهذا النوع من المثالية التي تقول «تحمل اي عبء.. إدفع أي ثمن». ولكنني سأشعر بارتياح اكبر اذا ما دافع العرب عن تدخلنا بدلا من معارضته. ان حربا لاعادة صياغة وجه العالم العربي تستحق مناقشة دقيقة لسبب أخير آخر: عندما يحلم الكبار في واشنطن بتحويل العالم، فان الصغار هم الذين يعودون الى وطنهم في توابيت.
* خدمة «واشنطن بوست» ـ خاص بـ«الشرق الأوسط»
|